السيد محمد تقي المدرسي

196

من هدى القرآن

من دون أن يحمل - بقدر إيمانه - مسؤولية وبلاء ، وكلما كان الإيمان أعمق ، كلما كان البلاء أشد [ أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْأَوْلِيَاءُ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ ] « 1 » . وقد مر موسى عليه السلام بامتحان عسير ، ففي البدء أمره الله أن يخلع نعليه ، لأنه في الوادي المقدس طوى ، وربما خشي موسى أن يؤمر من قبل الله سبحانه بترك عصاه كما فعل بنعليه ، فلذلك حينما سأله الله عنها إذا به يبيِّن فوائدها العديدة : إنه يتوكأ عليها ، ويهش بها على غنمه ، وله فيها حاجات أخرى غير تلك ، فأمره الله أن يلقي عصاه فألقاها ، وسرعان ما رأى أن تلك العصا قد تحولت إلى ثعبان ضخم ، حيث جاء في النصوص إنه كان من القوة ، بحيث يحطم الحجر ، ويقتلع الشجر ، وتتوقد عيناه في الليل المظلم ، كان هذا امتحاناً : حيث أمره الله بأن يلقي عصاه فامتثل موسى ، والامتحان الآخر كان حيث أمره بأن يأخذ الثعبان فيمسكه من حلقه ، وهو أخطر عضو فيه . ترى كم ينبغي أن يكون إيمان الإنسان بالله وبالرسالة ، وتغلبه على طبيعته البشرية كبيراً حتى يتمكن من أن يقدم على هذه العملية الصعبة ؟ ! . إن الإنسان بطبيعته يشكك نفسه - ألف مرة - في مثل هذه الحالات ، فإذا تعرض لامتحانات صعبة كما تعرَّض لها موسى عليه السلام ، يقول لنفسه : من يقول بأن هذا هو الله ؟ ومن يقول بأن الأمر واجب ، ومن يقول بأن الأمر فوري ؟ وهكذا . . ولكن موسى بالرغم من خوفه الشديد النابع من طبيعته البشرية تحدى وأخذ الثعبان فتحول - بمجرد أن أمسك به - إلى عصا كما كانت . لقد اجتاز موسى في لحظات معدودة تلك المراحل التي اجتازها إبراهيم الخليل عليه السلام في سنين ، فأمر بحمل الرسالة إلى البشر . لقد تعرض إبراهيم الخليل عليه السلام لخطر شخصي حينما ألقي به في النار ، وكذلك موسى تعرَّض لهذا الخطر حينما أمر بأن يأخذ الثعبان ، وإبراهيم ترك زوجته وطفله الرضيع وحيدين في الصحراء ، وانفلت عنهما وتوجه إلى الله ، وكذلك موسى ترك أهله وهم في ظروف صعبة ، وتوجه إلى الله . إبراهيم الخليل تعرَّض - مرة أخرى - للغربة والابتعاد عن بلده ، وكذلك موسى تعرض لذلك حيث بقي ظالًا في الصحراء مدة إلى أن اهتدى بفضل الله ، هذا غير فراره إلى مدين وبقائه هناك لمدة عشر سنين . هكذا اجتاز موسى مراحل الاختبار ، وتخطى امتحانات الرسالة بسهولة ويسر تبعاً لما كان يختزله من رصيد إيماني كبير ، فلما اجتازها جميعاً بنجاح ، حمله الله الرسالة ، وبعد أن حمل الرسالة ،

--> ( 1 ) بحارالأنوار : ج 78 ، ص 194 .